نصر حامد أبو زيد

59

مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )

الفصل الثاني المتلقي الأول للنص لقد كان محمد - المستقبل الأول للنص ومبلغه - جزءا من الواقع والمجتمع . كان ابن المجتمع ونتاجه ، نشأ في مكة يتيما ، وتربي في بني سعد كما كان يتربى أترابه في البادية . تاجر كما كان يتاجر أهل مكة ، سافر معهم وشاركهم حياتهم وهمومهم . وحين أراد بعض الأعراب أن يعاملوه معاملة الملوك بعد البعثة رفض . وحين رأى أعرابيا ترتعد فرائصه وهو يستعد للقائه هدأ روعه وقال قولته المشهورة : « انما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد بمكة » . هذا ما يحكيه التاريخ عن الرجل والانسان الذي شاء الفكر الديني السائد - قديما وحديثا - أن يحوله إلى حقيقة مثالية ذهنية مفارقة للواقع والتاريخ ، حقيقة لها وجود سابق على وجودها الانساني العياني المادي . وشاء هذا الفكر في أشد مزاعمه انسانية أن يجعل منه انسانا مغمض العينين معزولا عن المجتمع والواقع ، يعيش هموما مفارقة مثالية ذهنية ، حتى حوله هذا الفكر إلى انسان خال من كل شروط الانسانية . إن هذا التحويل الذي حدث في شخصية النبي كان موازيا لتحويل آخر حدث في تصور النص في الثقافة والفكر حيث تم تحويل النص من توجّهه إلى المخاطب والمخاطبين لكي يكون نصا دالا على المتكلم . وكان من الضروري لكي يستقيم مثل هذا التصور أن يحوّل المخاطب الأول إلى راهب متبتل منقطع يتلقى رسالة خاصة . وصارت مهمة المخاطبين بالنص - في مثل هذا التصور - محاولة الوصول إلى المتكلم من خلال النص من جهة ، ومن خلال سلوك طريق التبتل والانقطاع عن العالم والدنيا - تقليدا للمخاطب الأول - من جهة أخرى . وصارت الرسالة في النص ذاته مزدوجة الدلالة ذات ظاهر وباطن ، ثم صارت ذات دلالة مركبة معقدة ، وتحول الخطاب اللغوي إلى شفرة سرية لا يفك رموزها إلا أقل القليلين . إن تصور النبي معزولا عن المجتمع والواقع ، منفردا دائما ، يتناقض مع ما اشتهر به من وصف « الأمين » ، إذ لا يشتهر بمثل هذه الصفة إلا من عامل الناس وانغمس في شؤونهم واختلط بهم اختلاطا يسمح لهم بالحكم عليه . وكيف كان يمكن أن تخطبه إلى نفسها كريمة